الذهبي
27
معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار
علم القراءات التي برع فيها ، هو كتاب " التلويحات في علم القراءات " « 72 » . وأما الكتاب الذي نضعه بين أيديكم ، والذي وصفه شمس الدين السخاوي بأنه كتاب حافل « 73 » ، فإنه ليس من كتب القراءات ، ولكن إخراجه بهذا الشكل أيضا يدل على عقليته الفذة ، وفهمه العميق ، ونظرته الشمولية الدقيقة في هذا المجال . فقد مهر الذهبي في فن الحديث ، كما قال ابن حجر العسقلاني : « وجمع فيه المجاميع المفيدة الكثيرة ، حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفا » « 74 » . لأنه في إقباله على هذا العلم وشرهه لسماعه أينما كان ، وأخذه له من ذلك العدد الضخم من الشيوخ ، أكسبه مزية فريدة وتفوقا كبيرا ، مما أخرج مؤلفاته من الجمود والابتذال والنقل ، ودفع به - أي الذهبي - إلى التعمق في دراساته ضمن المنهج النقدي الذي التزم به . أدى كل ذلك بتلميذه صلاح الدين الصفدي إلى أن يقيمه تقييما صائبا ، وصادقا وواقعيا ، عندما قال عن الذهبي : « وقرأت عليه كثيرا من تصانيفه ، ولم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة النقلة ، بل هو فقيه النظر ، له دربة بأقوال الناس ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب المقالات ، وأعجبني منه ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثا يورده ، حتى يبين ما فيه من ضعف متن ، أو ظلام إسناد ، أو طعن في روايته ، وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده » « 75 » . إن براعة الذهبي في علم الحديث ، وتمكنه منه بتأليف تلك المصنفات الفريدة
--> ( 72 ) انظر : 1 / 35 ، من هذا الكتاب . ( 73 ) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ ، ص 184 . ( 74 ) الدرر الكامنة 3 / 337 . ( 75 ) الوافي بالوفيات 2 / 163 .